العيني
295
عمدة القاري
المرور بين يدي المصلي من الكبائر ، ويعد من ذلك ، واختلف في تحديد ذلك ، فقيل : إذا مر بينه وبين مقدار سجوده وقيل : بينه وبين الساتر ثلاث أذرع . وقيل : بينهما قدر رمية بحجر ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً . وفيه : قال ابن بطال : يفهم من قوله : ( لو يعلم ) أن الإثم يختصر بمن يعلم بالمنهي وارتكبه . قال بعضهم : فيه : بعد قلت : ليس فيه بعد لأن : لو ، للشرط فلا يترتب الحكم المذكور إلاَّ عند وجوده . وفيه : عموم النهي لكل مصلَ وتخصيص بعضهم بالإمام والمنفرد لا دليل عليه . وفيه : طلب العلم والإرسال لأجله . وفيه : جواز الاستنابة . وفيه : أخذ العلماء بعضهم من بعض . وفيه : الاقتصار على النزول مع القدرة على العلو لإرسال زيد بن خالد بسر بن سعيد إلى جهيم ، ولو طلب العلو لسعى هو بنفسه إلى أبي جهيم . وفيه : قبول خبر الواحد . 201 ( ( بابُ اسْتِقْبالِ الرَّجُلِ وهو يُصَلِّي ) ) أي : هذا باب في بيان استقبال الرجل الرجل ، والحال أنه يصلي يعني : هل يكره أم لا ؟ والرجل الأول مضاف إليه للاستقبال والرجل الثاني منصوب لأنه مفعول . وقال الكرماني : وفي بعض النسخ باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره ، وفي بعضها استقبال الرجل وهو يصلي ، وفي بعضها لفظ : الرجل مكرر ، ولفظ : هو ، يحتمل عوده إلى الرجل الثاني ، فيكون الرجلان متواجهين ، وإلى الأول فلا يلزم التواجه . وكَرِهَ عُثْمَانُ أنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلّى . مطابقته للترجمة ظاهرة وعثمان هو ابن عفان أحد الخلفاء الأربعة الراشدين . قوله : ( يستقبل ) ، بضم الياء على صيغة المجهول ، و : ( الرجل ) مرفوع لنيابته عن الفاعل ، ويجوز فتح الياء على صيغة المعلوم ، ولا مانع من ذلك ، والكرماني اقتصر على الوجه الأول . قوله : ( وهو يصلي ) جملة اسمية وقعت حالاً عن : الرجل ، وقال بعضهم : ولم أر هذا الأثر عن عثمان إلى الآن ، وإنما رأيته في ( مصنف ) عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما : من طريق هلال بن يساف عن عمر أنه زجر عن ذلك ، وفيهما أيضاً عن عثمان ما يدل على عدم كراهة ذلك ، فليتأمل ، لاحتمال أن يكون فيما وقع في الأصل تصحيف عن عمر إلى عثمان . قلت : لا يلزم من عدم رؤية هذا الأثر من عثمان أن لا يكون منقولاً عنه ، فليس بسديد زعم التصحيف بالاحتمال الناشئ عن غير دليل . فإن قلت : رواية عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عثمان بخلاف ما ذكره البخاري عنه دليل الاحتمال . قلت : لا نسلم ذلك لاحتمال أن يكون المنقول عنه آخراً بخلاف ما نقل عنه أولاً لقيام الدليل عنده بذلك . وَإنّمَا هذَا إذا اشْتَغَلَ بهِ فأمَّا إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قال زَيْدُ بنُ ثابِتٍ ما بالبَيْتُ إنَّ الرَّجُلَ لا يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ . قال صاحب ( التوضيح ) : هذا من كلام البخاري يشير به إلى أن مذهبه ههنا بالتفصيل ، وهو أن استقبال الرجل الرجل في الصلاة إنما يكره إذا اشتغل المستقبل المصلي ، لأن علة الكراهة في كف المصلي عن الخشوع وحضور القلب ، وأما إذا لم يشغله فلا بأس به ، والدليل عليه قول زيد بن ثابت الأنصاري النجاري الفرضي ، كاتب رسول ا : ما باليت ، أي : بالاستقبال المذكور . يقال : لا أباليه أي : لا أكترث له . قوله : ( إن الرجل ) بكسر : إن لأنه استئناف ذكر لتعليل عدم المبالاة . وروى أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) : حدّثنا مسعر ، قال : أراني أول من سمعه من القاسم قال : ضرب عمر رجلين : أحدهما مستقبل والآخر يصلي . وحدّثنا سفيان حدّثنا رجل عن سعيد بن جبير أنه : كره أن يصلي وبين يديه مخنث محدث ، وحدّثنا سفيان عن أشعث بن أبي الشعثاء عن ابن جبير . قال : إذا كانوا يذكرون ا تعالى فلا بأس ، وقال ابن بطال : أجاز الكوفيون والثوري والأوزاعي الصلاة خلف المتحدثين ، وكرهه ابن مسعود ، وكان ابن عمر لا يستقبل من يتكلم إلاَّ بعد الجمعة . وعن مالك : لا بأس أن يصلي إلى ظهر الرجل ، وأما إلى جنبه فلا ، وروى عنه التخفيف في ذلك . وقال : لا تصلوا إلى المتحلقين ، لأن بعضهم يستقبله . قال : وأرجو أن يكون واسعاً ، وذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرجل يستر إلى الرجل إذا صلى . وقال الحسن وقتادة يستره إذا كان جالساً . وعن الحسن : يستره ولم يشترط الجلوس ولا تولية الظهر ، وأكثر العلماء على كراهة